ابن العمراني

105

الإنباء في تاريخ الخلفاء

أو لولىّ عهد ، فاستدعاني يوما هارون بن المعتصم ، وهو الواثق ، فلما حضرت عنده قال لي : أحب أن تغنّينى فامتنعت فنفذ إلى المعتصم وشكاني فأحضرنى المعتصم [ 42 أ ] وقال لي : ويلك يا إسحاق بلغ من أمرك أنك تتكبّر على هارون ؟ فقلت : يا أمير المؤمنين إني حلفت أنى لا أغنى إلا لخليفة أو لولىّ عهد . فقال : امض وغنّ له فلا شيء عليك . فعلم الناس أنه قد ولّاه العهد . وفي سنة عشرين ومائتين جرى على الإمام أحمد بن حنبل « 237 » - قدس الله روحه ونوّر ضريحه - ما جرى من الإخراق والحبس . وإنما حثّ المعتصم على ذلك وحمله على ما فعل به أحمد بن أبي دؤاد لأنه كان معتزليّا وكان الإمام أحمد - رضوان الله عليه - إمام السنّة . وحين أحضره المعتصم بين يديه سلّم وتكلّم بكلام أعجب الناس ، ثم قال في أثناء كلامه : يا أمير المؤمنين إن لآبائى سبقا في هذه الدعوة فليسعني ما وسع أصحاب رسول الله - صلّى الله عليه وسلم - من السكوت والرضى من جميعهم بأن القرآن كلام الله . فقال له ابن أبي دؤاد : أتقول إن الله خالق كل شيء أم لا ؟ فقال الإمام أحمد - رضوان الله عليه - : بلى الله خالق كل شيء قال له : القرآن شيء أم لا شيء ؟ قال الإمام أحمد : القرآن أمر الله وقد فرّق الله تعالى بين خلقه وأمره فقال - عزّ وجل - : « لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ . . . » 7 : 54 فالتفت المعتصم إلى ابن أبي دؤاد وقال : ذكرتم أن الرجل عامي وأراه يذكر بيتا قديما وشهد له كل من حضر بأنه من سراة بنى شيبان ، ثم قال : وذكرتم لي أنه جاهل وما أراه إلا معربا فصيحا ، وأكرمه وأنعم عليه . وكان الإمام أحمد بن حنبل - رضوان الله عليه - إلى أن مات يثنى على المعتصم ويذكر فعله به ويترحّم عليه . وقيل : لما مات الإمام أحمد [ 42 ب ] - رضي الله عنه - صلّى عليه ألف ألف وستمائة ألف رجل وأسلم وراء نعشه أربعة آلاف ذمي من هول ما رأوا . وفي سنة ثلاث وعشرين ومائتين كان المعتصم بسامراء بعد بنائه القصر المعروف بالجوسق « 238 » جالسا فيه فجاء كتاب على البريد من ثغر الروم يذكر أن ملك الروم تطرق إلى نواحي الإسلام ومدّ يده إلى بعض القرى وأنه أسر منها جماعة وأنه كان